علي بن أحمد المهائمي

705

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ [ العنكبوت : 52 ] . ولذلك قال تعالى فيه : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] في الاستواء العرشي أنه ( قد جعل الطيب تعالى في هذا الالتحام النكاحي ) فيما أنزل ( في براءة عائشة - رضي اللّه عنها ، فقال : الْخَبِيثاتُ ) من الأزواج ( لِلْخَبِيثِينَ ) من الرجال ، ( وَالْخَبِيثُونَ ) من الرجال ( لِلْخَبِيثاتِ ) من الأزواج ، ( وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) حصر كل قسم من النساء والرجال فيمن يناسبه في أمر النكاح الكامل الموجب للمودة والرحمة ، ثم قال : ( أُولئِكَ ) أي : الطيبون من الرجال والنساء ( مُبَرَّؤُنَ ) [ النور : 26 ] من خباثة أنفسهم يعرف ذلك ( مما يقولون ) ، أي : من أقوالهم المتزوجة بما في بواطنهم ، ( فجعل روائحهم ) الظاهرة في أقوالهم ( طيبة ) لطيب بواطنهم التي خرجت منها أنفاسهم الحامية لأسرارها وهي ( صادقة أقوالهم ؛ لأن القول نفس ) ، والنفس ريح ، والريح ( هي عين الرائحة ) عند تجاوزها للمريح ، وبواطنهم مريحة ، ( فتخرج ) النفس من الباطن ( بالطيب ) من أثر المريح الباطن وهو الرائحة ، ( وبالخبيث على حسب ما ظهرت ) تلك النفس به عند المقاولة ( في صورة النطق ) ، ولكن إنما يشتم تلك الرائحة الكمّل الذين يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ [ الأعراف : 46 ] ؛ فلذلك قال تعالى : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] . وهذا النفس الإنساني مظهر النفس الرحماني المنزه عن الخباثة ، ( فمن حيث ) هو ، أي : النفس الإنساني ( إلهي بالأصالة ) ، والنفس الإلهي ( كله طيب ) ، فهو أي : النفس الإنساني باعتبار مظهريته له طيب ، ولكنه ( من حيث ما ) تأثر هذا النفس الإنساني من مخرجه بوصفه الذي ( يحمد ) تارة ( ويذم ) أخرى ، ( فهو ) بهذا الاعتبار ( طيب ) تارة ( وخبيث ) أخرى . فالنفس الإنساني في هذا الأمر كسائر الموجودات ، فإنها من حيث أعيانها الثابتة في العلم الإلهي المنزه عن الخبائث كلها طيبة ، ومن حيث اتصافها بالعوارض عند ظهورها بصور الأشياء تنقسم إلى طيبة وخبيثة ، فاعتبر صلّى اللّه عليه وسلّم بعضها باعتبار تلك العوارض ؛ ( فقال : « في خبث الثوم هي شجرة ) خبيثة » . ثم أشار إلى أن خبثها من عوارضها ، فقال : ( « أكره ريحها » « 1 » ) ، وهي من العوارض ،

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 395 ) ، وأحمد في « المسند » ( 3 / 12 ) .